ابراهيم بن عمر البقاعي

15

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

طول الإمهال في الأمر الذي يجوز قطعه بالمكروه فيقع الاغترار بذلك الإمهال من الجهال ، وضده الخوف ، وهو انزعاج النفس لما يتوقع من الضر ؛ والنصح : إخلاص العمل من فساد يتعمد ، وضده الغش ، وأجمع القراء على حذف حركة الرفع في تأمن وإدغام نونه بعد إسكانه تبعا للرسم ، بعضهم إدغاما محضا وبعضهم مع الإشمام ، وبعضهم مع الروم ، دلالة على نفي سكون قلبه عليه عليهما الصلاة والسّلام بأمنه عليه منهم على أبلغ وجه مع أنهم أهل لأن يسكن إليهم بذلك غاية السكون ، ولو ظهرت ضمة الرفع عند أحد من القراء فات هذا الإيماء إلى هذه النكتة البديعة . [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 12 إلى 15 ] أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ( 12 ) قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ ( 13 ) قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ ( 14 ) فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 15 ) ولما كان هذا موضع أن يقال : لأيّ غرض يكون ذلك ؟ قالوا في جوابه : أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً إلى مرعانا ، إن ترسله معنا يَرْتَعْ أي نأكل ونشرب في الريف ونتسع في الخصب وَيَلْعَبْ أي نعمل ما تشتهي الأنفس من المباحات تاركين الجد ، وهو كل ما فيه كلفة ومشقة ، فإن ذلك له سار وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ * أي بليغون في الحفظ ؛ قال أبو حيان : وانتصب غَداً على الظرف ، وهو ظرف مستقبل يطلق على اليوم الذي يلي يومك وعلى الزمن المستقبل من غير تقييد ، وأصل غد غدو ، فحذفت لامه - انتهى . فكأنه قيل : ماذا قال لهم ؟ فقيل : قالَ ما زاد صدورهم توغرا لأن ما قالوه له هو بحيث يسر به لسرور يوسف عليه الصلاة والسّلام به إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أي حزنا ظاهرا محققا - بما أشار إليه إظهاره النون وإثباته لام الابتداء أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ أي يتجدد الذهاب به مطلقا - لأني لا أطيق فراقه - ولا لحظة ، وفتح لهم بابا يحتجون به عند فعل المراد بقوله جامعا بين مشقتي الباطن ، والبلاء - كما قالوا - مؤكل بالمنطق : وَأَخافُ أي إذا ذهبتم به واشتغلتم بما ذكرتم أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ أي هذا النوع كأنه كان كثيرا بأرضهم وَأَنْتُمْ عَنْهُ أي خاصة ( غافلين ) * أي عريقون في الغفلة لإقبالكم على ما يهمكم من مصالح الرعي ؛ والحزن : ألم القلب مما كان من فراق المحبوب ، ويعظم إذا كان فراقه إلى ما يبغض ؛ والأكل : تقطيع الطعام بالمضغ الذي بعده البلع ؛ فكأنه قيل : إن تلقيهم لمثل هذا لعجب ، فماذا قالوا ؟ فقيل : قالُوا مجيبين عن الثاني بما يلين الأب لإرساله ، مؤكدين ليطيب خاطره ، دالين على القسم بلامه : لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ أي والحال أنا عُصْبَةٌ أي أشداء تعصب بعضنا لبعض ؛ وأجابوا القسم بما أغنى عن